الذهبي
755
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
إلى قتال الفرنج ، فقويت الفرنج ، وتقهقر المسلمون إلى البلد ، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر ، وأيقن النّاس بأنّه يملك البلد ، وجاءت عساكر سيف الدّين غازي ، ونزلوا حمص ، ففرح النّاس وأرسل معين الدّين يَقُولُ للفرنج الغرباء : إنّ ملك الشّرق قد حضر ، فإنْ رحلتم ، وإلّا سلّمت دمشق إِلَيْهِ ، وحينئذٍ تندمون ، وأرسل إلى فرنج الشّام يَقُولُ لهم : بأيّ عقلٍ تساعدون هَؤُلّاءِ الغرباء علينا ، وأنتم تعلمون أنّهم إنّ ملكوا أخذوا ما بأيديكم من البلاد السّاحليَّة ؟ وأنا إذا رَأَيْت الضعفَ عَنْ حَفْظ البلد سلّمته إلى ابن زنْكي ، وأنتم تعلمون أنّه إن ملَك لا يبقى لكم معه مُقامٌ بالشّام ، فأجابوه إلى التّخلّي عَنْ ملك الألمان ، وبذلَ لهم حصن بانياس ، فاجتمعوا بملك الألمان ، وخوّفوه من عساكر الشّرق وكثْرتها ، فرحل وعاد إلى بلاده ، وهي وراء القسطنطينية . قلت : إنما كان جل قدومه لزيارة القدس ، فلمّا ترحّلوا سار نور الدّين محمود إلى حصن العزيمة ، وهو للفرنج ، فملكه ، وكان في خدمته معين الدين أنُر بعسكر دمشق . وفيها كان أول ظهور الدولة الغورية قصد سوري بن الحسين مدينة غزنة وملكها ثم حاربه بهرام شاه وأسره وقتله ، ثم غضبت لقتله الغوريَّة ، وحشدوا وجمعوا ، وكان خروجهم في سنة سبعٍ وأربعين . وفيها نقب الحبس رضوان ، الّذي كَانَ وزير الحافظ صاحب مصر ، وهرب عَلَى خيل أُعِدَّت لَهُ ، وعبَر إلى الجيزة ، وكان لَهُ في الحبْس تسعُ سِنين ، وقد كنّا ذكرنا أنّه هرب إلى الشّام ، ثمّ قدِم مصرَ في جمع كثير ، فقاتل المصريّين عَلَى باب القاهرة وهزمهم ، وقتل خلْقًا منهم ، ودخل البلد ، فتفرَّق جَمْعُه ، وحبسه الحافظ عنده في القصر ، وجمع بينه وبين أهله ، وبقي إلى أن نقب الحبس ، فأتى من الصّعيد بجموع كثيرة ، وقاتل عسكر مصر عند جامع ابن طولون فهزمهم ، ودخل القاهرة ، وأَرسل إلى الحافظ يطلب منه رسم الوزارة عشرين ألف دينار ، فبعثها إِلَيْهِ ، ففرَّقها ، وطلب زيادة ، فأرسل إليه عشرين ألفا أخرى ، ثم عشرين ألفا أخرى ، وأخذ النّاس منه العطاء وتفرّقوا ، وهيّأ الحافظ